التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كلمة إستفتاحية لسلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " .


الجماعة الإسلامية الأحمدية في الجمهورية الجزائرية .
سلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " 01 :
( ضمن دروس التربية و التعليم لولاية المسيلة الجزائرية ) .
الموضوع : كلمة إستفتاحية لسلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " .
ـ بعنوان : " الإيمان " طريق إلى " كمال الإنسانية " ـ .

      لا شك أن " ... اللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًٔا وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصٰرَ وَ الْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 ) " سورة النحل . فإذا ما كبر الولد ، و بدأ يُدرك ما حوله ؛ أخذ يتعرَّف إلى خصائص الأشياء التي هي حوله . ثم ينمو إدراكه ؛ فيبدأ في التعرف على خواص ما في السماء و ما على الأرض . ثم ينموا إدراكه مرة أخرى ؛ فيسأل عن ذات الله تعالى ؛ قائلا : هل يوجد لهذا الوجود إله ؟ فإن كان ؛ فأين هو ؟ ثم يتعمق في السؤال ؛ قائلا : هل لله عينان و أنف و أذنان و فم و جلد ؟ هل له يدان و أرجل و ركبة و ساق و فخذ ؟ هل له رأس و بطن و صدر  و قلب ؟ هل له جسم أو جسد أو لا ؟ ما هي ماهيته ؟

      إن تساءلات الإنسان عن ماهية الله تعالى بقوله : إذا كان الله تعالى الخالق مختلف عن خلقه . إذن ؛ هذا يعني أنه ليس له عينان يبصر بهما أو يدان يبطش بهما أو رجلان يمشي بهما . فإذا كان لا يسمع صوته أحد و لا يدركه أحد ببصره ، فهل هو خيال لا حقيقة له ؟

      إن الإنسان العاقل هو الذي يبتعد عن الوهم قدر الإمكان ، و الذي يعتمد على المحسوس في غالب الإمكان . هل يريد الأنبياء و الرسل ـ عليهم السلام ـ و آخرهم مدعي النبوة الميرزا غلام أحمد القادياني ـ عليه السلام ـ الذي يدعي بأن الله تعالى أرسله ليعيد الإيمان إلى قلوب أهل الأرض أن نكفر بالمحسوس الملموس و الواقع المعاش ، و نؤمن  بالتصورات و التخيُّلات ؟

      بإختصار ؛ هل يريد الأنبياء ـ عليهم السلام ـ أن نعبد و نستعين بمن لا نرى له صورة و لا نسمع له صوة .
أقول :
      من هنا ؛ يظهر مفهوم : " الإيمان " .

      إن الإيمان الشهودي الحقيقي اليقيني هو ذلك العلم النفسي ، و الذي تشهده النفس في ذاتها ؛ فتعقل به الوجود الإلۤهي في سرِّها . فإذا هو حقيقة يقينية مستقرَّة فيها تخالطها و تمازجها و لا تنفكُّ عنها أبداً . و بهذا تميز الإسلام المحمدي الأحمدي ؛ بكونه دين الحقائق كما و نوعا عن باقي إسلام الأنبياء و الرسل عليهم السلام .

      لا شك أن الإيمان حقيقة نفسية معنوية تبدأ شهوداً بالعين لآيات صنع و عظمة الله تعالى ، ثم تصل بعدها نفس الباحث عن الإلۤه الحق لأنوار ذلك الإلۤه العظيم ؛ فتشاهد جماله في مخلوقاته الجميلة ، و التي هي في حقيقتها أثر بسيط من جماله ـ تعالى ـ . فكلُّ روعةٍ و فتنة في مخلوقاته ـ تعالى ـ فإنما هي جمال كاذب لا حقيقة له ؛ لأن جمالها ليس ذاتيا بها و لها ؛ و إنما هي إنعكاس لذلك الجميل .  و تشاهد عظمته في مخلوقاته العظيمة أيضا ، و التي هي في حقيقتها أثر بسيط من عظمته ـ تعالى ـ . فكلُّ عظمة و سعة في مخلوقاته ـ تعالى ـ فإنما هي عظمة و سعة كاذبة لا حقيقة لها أيضا ؛ لأن عظمته و سعته ليس ذاتيا بها و لها ؛ و إنما هي إنعكاس لذلك العظيم .

      إن الإيمان الصحيح الذي بعث الإمام المهدي عليه السلام لإعادته إلى قلوب أهل الأرض ؛ هو ذلك الإيمان الذي ينبعث في قرارة نفس الإنسان ، و هو الذي يتولَّد في قلبه ؛ لأن الإيمان حقيقة معنوية تسري في نفس الإنسان المؤمن الباحث عن الإله الحق و الدين الحق ؛ كما تسري الحياة في الجسد . فيُشرق في نفس ذلك المؤمن " نور المعرفة "  و " علم اليقين " و " الحياة العلوية السامية " ، فتنعكس على جسده ؛ فلا يشقى بعدها و لا ينكد ، و لا يخاف بعدها و لا يجبن ، و لا يذل بعدها و لا يمسكن ، لا يخشى في الله تعالى لومة لائم ، لا يتشوه قلبه بشهوة منحطة ، و كيف تكون عليه و هو مؤمن إيماناً ذاتياً ؟ بل إنه في سموٌّ و علو دائما . تدلُّ على هذا الإيمان الحق ؛ الصفات الحسنة التي يتصف بها صاحب هذا الإيمان ، و المعاملات الإنسانية الطيبة الحقيقية النزيهة المجرَّدة عن الغايات المنحطة و عن المصالح الذاتية و المنافع الدنيوية ، كما تدلُّ عليه الأخلاق الكريمة و الأعمال الصالحة التي ترفع شأنه عند ربِّه و عند الناس . فيشعر به المؤمن في صميمه ذاته ؛ فيطمئن به قلبه ، و ترتاح به نفسه ، و تنقشع عنه الشكوك و الشُبَهْ ، و تنمحي به الظلمات عن القلب ؛ فيرى بنور الله تعالى ما لا يراه غيره .

      لا شك أن العين ترى و القلب يرى ؛ فالعين ترى جماله ـ تعالى ـ بجمال خلقه ، و القلب يرى عظمته ـ تعالى ـ بعظمة خلقه . فيستقي و يخشع قلبه من رؤية جمال و عظمة ربِّه بعد أن يتضاءل جمال و عظمة مخلوقاته في عينه و قلبه . و من شَهِدَ له رؤية ربه بالعين و بالقلب ؛ فقد صَغُرَ المخلوق في عينه . فطوبى له !

      إن المشاهدة الحقيقية هي التي تكون بعين البصيرة لا بعين البصر . و إن الإيمان لشهود : أي أن يشهد أن " لا إلۤه إلاَّ الله " . فمن خاف على نفسه في مستقبل أيامه قبل أو بعد موته ؛ فليسأل نفسه : هل توصَّلَتْ إلى هذا الإيمان الصحيح ؟ هل سلكت و إتبعت خطواتهِ و مراحلَه واحدة إثر أخرى ؟ فإن فعلت ؛ فقد وصلت . و إلاَّ فاستمع لإرشادات أهل الإتصال و الوصول بالأصول يُرشدوك ، و أفضلهم من بعث لهذا الزمان إماما مهديا لهذه الأمة و مسيحا موعودا لكل الأمم .

      إن الإيمان ليس مجرَّد كلام ينقله المرء عن الآباء و عن المعلِّمين أو عن المجتمع نقلاً ؛ بل هو شهود ذاتي و عقلي . فمن نقل الإيمان إلى نفسه إلا أنه لم يُشاهده بقلبه و لم يعقله بعقله ؛ فإنه ليس بمؤمن ؛ بدليل قوله تعالى : " قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِن قُولُوٓا أَسْلَمْنَا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ وَ إِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمٰلِكُمْ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( 44 ) " سورة الحجرات . فمن نقل كلاما حول الإيمان و أقر به ؛ فذلك هو " المسلم " ، و من شهده بقلبه و وعاه بعقله ؛ فذلك هو " المؤمن " . و الفرق بين لبيهما كالفرق بين السماوات العلى و الأراضين السفلى .

      " إِنَّ اللَّهَ يُدٰفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُوٓا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ( 38 ) " سورة الحج . فإن أردت السمو الإنساني و العلو الروحاني حتى يدافع الله تعالى عنك ؛ فعليك بسلوك طريق أهل الإيمان الذاتي ؛ لأن هذا الإيمان هو أساس كلّ خير ؛ فلا عمل صالح مرفوع إلا به . فأفهم ذلك !

     إن الذين يضيعون الإيمان الذاتي الذي بعث الإمام المهدي عليه السلام لإعادته بعد رفعه عن أهل الأرض بأفعالهم هم الخاسرون عند الإنتقال إلى الحياة الأخرى . فكفى بالإنسان سموّاً أن يؤمن ؛ فمن رفع عنه " الإيمان " فإنه ليس بإنسان ، و لذلك لا تجده يهتم لبني جنسه . فأفهم ذلك أيضا !



و الله تعالى أعلم .

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

.......... يتبع بإذن الله تعالى ...................


تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كلمة تقديمية للجزء الأول من سلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " .

الجماعة الإسلامية الأحمدية في الجمهورية الجزائرية .

سلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " 02 :

( ضمن دروس التربية و التعليم لولاية المسيلة الجزائرية ) .

الموضوع : كلمة تقديمية للجزء الأول من سلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " .
ـ بعنوان : شهادة التوحيد و الإيمان : " لَآ إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ  " ـ .



      لا شك أن الطفل إذا ما كبر في السن قليلا ؛ نما فكره نوعا ما . فتتبادر إلى ذهنه أسئلة عفوية ؛ مثل : لماذا يظهر القمر في الليل دون النهار ؟ أين تذهب النجوم في النهار ؟ كيف تتشكل الجبال ؟ كيف تتكون البحار و المحيطات ؟ أين تذهب الشمس في المساء ؟ و من أين تأتي في الصباح ؟ كيف تكونت هذه الأرض ؟ بل أين هو الله تعالى الذي تؤمنون بوجوده ؟ فإني لا أرى له أثرا . إلى غير ذلك من الأسئلة عن الوجود و موجده . 
     إن هذه الأسئلة لا يطرحها الطفل من عند نفسه في الأساس ؛ بل إن هناك قوة خفية تلقنها إياه . فتطرح نفسه بدورها هذه الأسئلة على جهاز فكره ؛ بغية وصولها إلى حقائق روحانية جديدة  و علوم مادية حديثة ، يقودان بدورهما إلى تلك القوة الخفية . عندها يتعرف الطفل على ما يحيط به ؛ ترتاح ل…

" لَآ إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ " .

الجماعة الإسلامية الأحمدية في الجمهورية الجزائرية .


سلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " 03 :


( ضمن دروس التربية و التعليم لولاية المسيلة الجزائرية ) .


الموضوع : " لَآ إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ  " .



      إن الإيمان بالله تعالى يولد في نفس المؤمن شعورا بالعظمة ؛ فتنعكس من خلاله خشية الله عز و جل ، بصفته مهيمنا على الوجود ، و مسيرا له بإرادته و بعلمه و بقدرته و برحمته . فيخلق ـ عز و جل ـ في نفسه إتجاه بعدم أذية مخلوقاته ـ تعالى ـ ؛ لأنها من نسيج تلك الذات العلية .
      إذا وصل الإنسان إلى هذا الإيمان ؛ أضحى على الصراط المستقيم ، فتجره إستقامته هذه إلى الثقة بأن الله تعالى راضٍ عنه . فيقبل على من خلق فيه بذرة الإيمان ، و تشتق نفسه من خالقها كمالا ، و هي الصلاة في حقيقتها . 
      إن هذه الصلاة هي التي يجب أن يسعى  الإنسان إلى إقامتها ؛ لأن النفس التي وصلت إليها تعرض عن ملهيات الحياة الدنيا ، و تقبل على ما يوصل لله تعالى . كيف لا ، و قد إستبغت بصبغة الله تعالى " ... وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَ نَحْنُ لَهُۥ عٰبِدُونَ ( 138 ) " سورة البقرة ؟ 

      أيها الإ…