التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كلمة تقديمية للجزء الأول من سلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " .

الجماعة الإسلامية الأحمدية في الجمهورية الجزائرية .

سلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " 02 :

( ضمن دروس التربية و التعليم لولاية المسيلة الجزائرية ) .

الموضوع : كلمة تقديمية للجزء الأول من سلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " .
ـ بعنوان : شهادة التوحيد و الإيمان : " لَآ إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ  " ـ .



      لا شك أن الطفل إذا ما كبر في السن قليلا ؛ نما فكره نوعا ما . فتتبادر إلى ذهنه أسئلة عفوية ؛ مثل : لماذا يظهر القمر في الليل دون النهار ؟ أين تذهب النجوم في النهار ؟ كيف تتشكل الجبال ؟ كيف تتكون البحار و المحيطات ؟ أين تذهب الشمس في المساء ؟ و من أين تأتي في الصباح ؟ كيف تكونت هذه الأرض ؟ بل أين هو الله تعالى الذي تؤمنون بوجوده ؟ فإني لا أرى له أثرا . إلى غير ذلك من الأسئلة عن الوجود و موجده . 
     إن هذه الأسئلة لا يطرحها الطفل من عند نفسه في الأساس ؛ بل إن هناك قوة خفية تلقنها إياه . فتطرح نفسه بدورها هذه الأسئلة على جهاز فكره ؛ بغية وصولها إلى حقائق روحانية جديدة  و علوم مادية حديثة ، يقودان بدورهما إلى تلك القوة الخفية . عندها يتعرف الطفل على ما يحيط به ؛ ترتاح له نفسه بأنها تنفعه و لا تضره ، و يستسيغها عقله بإستغلالها لصالحه ، و يطمئن لها قلبه بإعتبارها مصدر سعادة لا حزن .
      إن جهاز الفكر لا ينموا إلا بمثل هذه الأسئلة ، و حين يصل الطفل إلى سن البلوغ ؛ يصل جهاز الفكر إلى الحقيقة الكبرى و المعرفة العظمى ؛ ألا و هي : " حقيقة و معرفة الله عز و جل " . 
      إن بلوغ فكر الإنسان سن البلوغ يكون متزامنا مع بلوغ جسمه سن البلوغ أيضا . فلما يرى الإنسان تركيب جسمه البديع و صورته الحسنة ، و لما يتأمل في وظيفة كل عضو من أعضائه ، و لما يتدبر في الترابط و النظام الذي يجمع بينهم ، و ما يرافقها من عمل دؤوب مستمر ، و لما يتفكر في حقيقة أمره كونه نطفة من مني تمنى لم يكن شيئا مذكورا ؛ مقرا بعجزه عن تركيب جسمه ، و توظيف أعضائه ، و تنظيم أجهزته . إعترف بشكل تلقائي و فطري و بقليل من التفكير أن هناك قوة خفية هي التي تعمل فيه هذه الأعاجيب .
      إن جهاز الفكر يقطع أشواطا معتبرة إثباتا لهذه الحقيقة في الجانب العملي مع أنها من صميم فطرة الإنسان ، و ذلك لميل الإنسان إلى المادية بطبعه حتى ترتاح لها نفسه ، و يعقلها عقله كعلم راسخ ، و يطمئن لها قلبه . و عندما يتحقق للإنسان ذلك ؛ يوقن بوجود قوة خفية ، بل يصبح وجودها أمرا بديهيا في نظره لا يحتاج إلى الإستدلال و لا إلى البرهان بعد أن كان يبحث عنه في الماديات . فلو تأمل منكروا وجود الإله في أنفسهم ؛ لما تجرؤا على إنكار وجود تلك القوة الخفية ـ " الإله الحق " ـ .
      لا شك أن خروج الإنسان من بطن أمه إلى الحياة الدنيا أثرا على نفسه ؛ إلا أن مغادرته منها أشد أثرا عليها . فبينما ترسم نفس الإنسان الخطط بالآمال العظيمة ، و بينما يبذل فكره و جسمه الجهد لتوفير إحتياجاته المعنوية و المادية من أجل غد أفضل ؛ إذ بالموت يداهمه على حين غرة . فتصبح تلك الآمال هباء منثورا ، و تنطفئ شعلة الفكر ؛ كشمعة هبت عليها الرياح ، و أما جسمه ؛ فيصبح جثة هامدة لا حركة له بل جيفة نتنة يسعى الأحياء إلى التخلص منها في أقرب وقت ممكن . فإنا لله و إنا إليه راجعون .
      إن الذي لم يوفق لمعرفة تلك القوة الخفية و هو خارج من بطن أمه إلى الحياة الدنيا ، سيعرفها عند مغادرته لها حتما . فبعد أن تذوق نفسه طعم الموت ؛ تعلم أن تلك القوة التي أتت بها إلى الحياة الدنيا قد إستردت وديعتها و أخذت أمانتها . فمهما طال الزمن على مكوثها في الدار الأولى ، و مهما إتخذت من الأسباب لبقائها فيها ، و مهما كانت النفس رافضة لذلك . و لكن هيهات هيهات : " وَ لَوْ تَرٰىٓ إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ( 51 ) " سورة سبأ . " فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ( 83 ) وَ أَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ( 84 ) وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَ لٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ ( 85 ) فَلَوْلَآ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ( 86 ) تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صٰدِقِينَ ( 87 ) " سورة الواقعة .
      إن الإنسان إذا ما إتعض بالموت ؛ خافت نفسه ، بل و إمتلأت رعبا من هول ما ينتظرها ، و تعلوها الرهبة من مصيرها المحتوم . فتهرول إلى جهاز الفكر ؛ متوسلة إليه أن يعرفها بتلك القوة الخفية بغية كسب حبها و رضاها حتى لا تقع في كرهها و غضبها . فيتسع مجال عمل جهاز فكره متجاوزا حدود ذاته إلى خلقه ـ عز و جل ـ .
      ينظر ذلك الإنسان الحائر في مخلوقاته ـ عز وجل ـ ؛ فيجد ما وجده لنفسه من إبداع في التركيب ، و حسن في التصوير ، و دقة في الترابط و النظام . فيعيد النظر إلى نفسه ؛ فيجد نفسه جزءا من مخلوقاته ـ تعالى ـ ، و أن ما يجري عليه يجري عليهم ، و أن ما يحدث له يحدث لهم . فيشاهد بعقله و بنفسه أن هناك إرادة عليا و قوة عظمى تحيط بهذا الوجود ؛ فلا يخفى و لا يخرج عن نظامها أي مخلوق . 

أقول :
      و من هنا يشهد هذا الإنسان أن : " لَآ إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ " . و كيف لا يشاهدها و يشهد عليها و قد مر بكل ما سبق ذكره ؟ فهذا هو الإيمان بكل ما تحمله الكلمة من معنى .


و الله تعالى أعلم .
و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
........... يتبع بإذن الله تعالى ...................

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كلمة إستفتاحية لسلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " .

الجماعة الإسلامية الأحمدية في الجمهورية الجزائرية . سلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " 01 : ( ضمن دروس التربية و التعليم لولاية المسيلة الجزائرية ) . الموضوع : كلمة إستفتاحية لسلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " .
ـ بعنوان : " الإيمان " طريق إلى " كمال الإنسانية " ـ .
      لا شك أن " ... اللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًٔا وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصٰرَ وَ الْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 ) " سورة النحل . فإذا ما كبر الولد ، و بدأ يُدرك ما حوله ؛ أخذ يتعرَّف إلى خصائص الأشياء التي هي حوله . ثم ينمو إدراكه ؛ فيبدأ في التعرف على خواص ما في السماء و ما على الأرض . ثم ينموا إدراكه مرة أخرى ؛ فيسأل عن ذات الله تعالى ؛ قائلا : هل يوجد لهذا الوجود إله ؟ فإن كان ؛ فأين هو ؟ ثم يتعمق في السؤال ؛ قائلا : هل لله عينان و أنف و أذنان و فم و جلد ؟ هل له يدان و أرجل و ركبة و ساق و فخذ ؟ هل له رأس و بطن و صدر  و قلب ؟ هل له جسم أو جسد أو لا ؟ ما هي ماهيته ؟
      إن تساءلات الإنسان عن ماهية الله تعالى…

" لَآ إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ " .

الجماعة الإسلامية الأحمدية في الجمهورية الجزائرية .


سلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " 03 :


( ضمن دروس التربية و التعليم لولاية المسيلة الجزائرية ) .


الموضوع : " لَآ إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ  " .



      إن الإيمان بالله تعالى يولد في نفس المؤمن شعورا بالعظمة ؛ فتنعكس من خلاله خشية الله عز و جل ، بصفته مهيمنا على الوجود ، و مسيرا له بإرادته و بعلمه و بقدرته و برحمته . فيخلق ـ عز و جل ـ في نفسه إتجاه بعدم أذية مخلوقاته ـ تعالى ـ ؛ لأنها من نسيج تلك الذات العلية .
      إذا وصل الإنسان إلى هذا الإيمان ؛ أضحى على الصراط المستقيم ، فتجره إستقامته هذه إلى الثقة بأن الله تعالى راضٍ عنه . فيقبل على من خلق فيه بذرة الإيمان ، و تشتق نفسه من خالقها كمالا ، و هي الصلاة في حقيقتها . 
      إن هذه الصلاة هي التي يجب أن يسعى  الإنسان إلى إقامتها ؛ لأن النفس التي وصلت إليها تعرض عن ملهيات الحياة الدنيا ، و تقبل على ما يوصل لله تعالى . كيف لا ، و قد إستبغت بصبغة الله تعالى " ... وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَ نَحْنُ لَهُۥ عٰبِدُونَ ( 138 ) " سورة البقرة ؟ 

      أيها الإ…