التخطي إلى المحتوى الرئيسي

" لَآ إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ " .

الجماعة الإسلامية الأحمدية في الجمهورية الجزائرية .


سلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " 03 :


( ضمن دروس التربية و التعليم لولاية المسيلة الجزائرية ) .


الموضوع : " لَآ إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ  " .



      إن الإيمان بالله تعالى يولد في نفس المؤمن شعورا بالعظمة ؛ فتنعكس من خلاله خشية الله عز و جل ، بصفته مهيمنا على الوجود ، و مسيرا له بإرادته و بعلمه و بقدرته و برحمته . فيخلق ـ عز و جل ـ في نفسه إتجاه بعدم أذية مخلوقاته ـ تعالى ـ ؛ لأنها من نسيج تلك الذات العلية .
      إذا وصل الإنسان إلى هذا الإيمان ؛ أضحى على الصراط المستقيم ، فتجره إستقامته هذه إلى الثقة بأن الله تعالى راضٍ عنه . فيقبل على من خلق فيه بذرة الإيمان ، و تشتق نفسه من خالقها كمالا ، و هي الصلاة في حقيقتها . 
      إن هذه الصلاة هي التي يجب أن يسعى  الإنسان إلى إقامتها ؛ لأن النفس التي وصلت إليها تعرض عن ملهيات الحياة الدنيا ، و تقبل على ما يوصل لله تعالى . كيف لا ، و قد إستبغت بصبغة الله تعالى " ... وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَ نَحْنُ لَهُۥ عٰبِدُونَ ( 138 ) " سورة البقرة ؟ 

      أيها الإنسان ! قد تعجب من نفسك ؛ قائلا :  مالي أصلِّي و لا أجد طعماً للخشوع ، و أزكي لكن مالي ممحوق من البركة ، و أصوم و لا أصلُ لما يهدف إليه الصيام من التقوى ، و أحج مرات عديدة إلا أني لا أشهد على منافعه ، بل أسمع للآذان و لا أجد فيه حلاوة ، و أستمع إلى القرآن الكريم فلا أجد فيه طلاوة ، و عندما أقرءه لا أجد فيه المعاني السامية ، و لا أجد فيه روحانية عالية و لا بلاغة رابية ، بل هو مجرد قصص تاريخية و قوانين تنظيمية . كما أني لا أستطيع فهمه بشخصي ؛ بل بشخص آخر يفسره لي .

أقول :
      إن هذا العجب راجع إلى عدم فهم فلسفة أركان الإسلام . إذ يعرفون الصلاة أنها مجرد أقوال و أفعال مخصوصة ، و أنها من أحسن الرياضات الجسمانية ، و أنها أمر تعبدي أمر الله تعالى به الإنسان ؛ ليقدّم واجب الخضوع لخالقه خمس مرات في اليوم و الليلة . و أما الزكاة فهي نصيب معلوم للسائل و المحروم من مال الإنسان . و أما الصوم فهو ترك سائر المفطرات بنيّة من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس ؛ ليشعر الغني بألم الجوع الذي يكابده الفقير . و لأنه يُذهب بالأمراض ، و يفيد الصحة الجسمانية و النفسانية إلى حد كبير . و أما الحج ؛ فهو زيارة أماكن مخصوصة في أشهر مخصوصة ، و أنه مؤتمر عام يجمع المسلمين يتدارسون فيه الأوضاع و الخطط السياسية التي تجعلهم يهنؤون في العيش ، و يردُّون كيد المعتدين ، ... و بذلك وضعوا حدوداً و أشكالاً من المفاهيم جاعلين منها تعريفا ، فجعلوا من عباداتهم أشكالا و مراسيما لا روحانية فيها .

       أيها الإنسان ! إعلم أن الله تعالى ما فرض عليك الصلاة لتقديم واجب الخضوع ؛ فهو غني عن العالمين . سبحانه ! لا تنفعه طاعة ، و لا تضره معصية . فهو أعزُّ من أن يأمرك بأن تعترف بوحدانيته ، و هو أكبر من أن يأمرك بأن تظهر له واجب الخضوع له . و أعلم أنهه ـ تعالى ـ لو يشاء لأغنى الفقير بنفسه ، و لمَا أمرك بأن تعطي من مالك زكاة أو صدقة ، فهو ليس بحاجة إليك لتطعم من لو يشاء الله أطعمه . و أعلم أنه ـ عز و جل ـ  أرحم بك من أن يأمرك بالصوم شهراً كاملاً . و أعلم أنه ـ تعالى ـ أرحم بك أيضا من أن يفصلك عن أهلك ؛ راكبا المشقات و الأخطار ، طائفا حول الكعبة ، و مناديا بأعلى صوتك مبتهلاً له ـ عز و جل ـ بالدعاء لتحصل على غفرانه .
      إن الله تعالى فرض عليك هذه العبادات كأوامر من مستوى عالٍ ، لم يضعها ـ تعالى ـ إلا للإنسان الذي وصل إلى مستوى عالٍ أيضا ، و هو ذلك الإنسان الذي يعقلها و يدرك أسرارها ، و عارفا قدر و فضل خالقه الذي أمره بها ؛ فتراه يصلي ساجداً و هو يتمنى أن يظل عمره كله ساجداً له ـ عز و جل ـ ، و هو في حقيقته ساجدٌ دوماً لله تعالى لا يرفع رأسه و لا ينقطع عن السجود . و أما الزكاة ؛ فهي مغنم و فضل كبير . فيشكر المعطي الأول ، و يستغرق في حمده ، سابحاً في فضله ، فهو وحده المعطي ، و هو وحده المتفضل ، و كل الفضل منه و إليه يعود . و يصوم حتى ينقضي شهر رمضان المبارك ؛ فتراه يبكي طالبا من الله تعالى أن يهبه عمراً مديدا و صحة و عافيت ليصوم به رمضان ثانيةً ؛ لما وَجَدتْه نفسه في الصيام من سموٍ و ما وصلت إليه في منازل العلم و المعرفة به ـ تعالى ـ ، و هي حقيقة التقوى من مراتب و درجات . و يحج و يعود من الحج إنساناً قد أرخت إليه المعرفة زمامها ؛ فأضحى بصيراً مشاهداً عارفاً بماهية الحياة و أسرارها .
فيقول : " لا إلۤه إلا الله " ؛ فيشهد معناها شهوداً نفسياً . فإذا قال بلسانه " أشهد " ؛ فما اللسان إلاَّ ترجمان ما شَهدتْهُ نفسه ، و ما وعاه عقله ، و ما وقره قلبه من أفضال و إحسان تلك اليد الخفية . و كلما رددها بلسان نفسه و عقله و قلبه ؛ إتقد ذلك الشهود شهودا على شهودا إلى غير نهاية .  

     
و الله تعالى أعلم .
و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
............ يتبع بإذن الله تعالى ...............

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كلمة إستفتاحية لسلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " .

الجماعة الإسلامية الأحمدية في الجمهورية الجزائرية . سلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " 01 : ( ضمن دروس التربية و التعليم لولاية المسيلة الجزائرية ) . الموضوع : كلمة إستفتاحية لسلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " .
ـ بعنوان : " الإيمان " طريق إلى " كمال الإنسانية " ـ .
      لا شك أن " ... اللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًٔا وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصٰرَ وَ الْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 ) " سورة النحل . فإذا ما كبر الولد ، و بدأ يُدرك ما حوله ؛ أخذ يتعرَّف إلى خصائص الأشياء التي هي حوله . ثم ينمو إدراكه ؛ فيبدأ في التعرف على خواص ما في السماء و ما على الأرض . ثم ينموا إدراكه مرة أخرى ؛ فيسأل عن ذات الله تعالى ؛ قائلا : هل يوجد لهذا الوجود إله ؟ فإن كان ؛ فأين هو ؟ ثم يتعمق في السؤال ؛ قائلا : هل لله عينان و أنف و أذنان و فم و جلد ؟ هل له يدان و أرجل و ركبة و ساق و فخذ ؟ هل له رأس و بطن و صدر  و قلب ؟ هل له جسم أو جسد أو لا ؟ ما هي ماهيته ؟
      إن تساءلات الإنسان عن ماهية الله تعالى…

كلمة تقديمية للجزء الأول من سلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " .

الجماعة الإسلامية الأحمدية في الجمهورية الجزائرية .

سلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " 02 :

( ضمن دروس التربية و التعليم لولاية المسيلة الجزائرية ) .

الموضوع : كلمة تقديمية للجزء الأول من سلسلة : " قطوف من بساتين الهدى " .
ـ بعنوان : شهادة التوحيد و الإيمان : " لَآ إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ  " ـ .



      لا شك أن الطفل إذا ما كبر في السن قليلا ؛ نما فكره نوعا ما . فتتبادر إلى ذهنه أسئلة عفوية ؛ مثل : لماذا يظهر القمر في الليل دون النهار ؟ أين تذهب النجوم في النهار ؟ كيف تتشكل الجبال ؟ كيف تتكون البحار و المحيطات ؟ أين تذهب الشمس في المساء ؟ و من أين تأتي في الصباح ؟ كيف تكونت هذه الأرض ؟ بل أين هو الله تعالى الذي تؤمنون بوجوده ؟ فإني لا أرى له أثرا . إلى غير ذلك من الأسئلة عن الوجود و موجده . 
     إن هذه الأسئلة لا يطرحها الطفل من عند نفسه في الأساس ؛ بل إن هناك قوة خفية تلقنها إياه . فتطرح نفسه بدورها هذه الأسئلة على جهاز فكره ؛ بغية وصولها إلى حقائق روحانية جديدة  و علوم مادية حديثة ، يقودان بدورهما إلى تلك القوة الخفية . عندها يتعرف الطفل على ما يحيط به ؛ ترتاح ل…